ابن حمدون
280
التذكرة الحمدونية
جواشنها ودروعها ، والجياد في جلالها وقطوعها ؛ حتى إذا جرّدت من تلك المطارف ، وانتضيت من تلك الملاحف ، رأيت منها قدودا مخطفة رشيقة ، وألوانا معجبة أنيقة ، صليبة المكاسر والمعاجم ، نجيبة المنابت والمناجم ، خطَّية الانتماء والمناسب ، سمهريّة الاعتزاء والمناصب ، تركبت من شظايا الرماح الداعسة ، وقرون الأوعال الناخسة ، فحازت الشرف من طرفيها ، واحتوت عليه بكلتا يديها ، قد تحنّت تحنّي المشيخة النسّاك ، وصالت صيال الفتية الفتّاك ، واستبدلت من قديمها في هزّ الفوارس ، بحديثها في قبض المعاجس ، وانتقلت عن جدها في طرد الغارات ، إلى هزلها في طرد المتنزّهات . ظواهرها صفر وارسة ، ودواخلها سود دامسة ، كأنّ شمس أصيل طلعت على متونها ، أو جنح ليل اعتكر في بطونها ، أو زعفرانا جرى فوق مناكبها ، أو غالية جمدت على ترائبها ، أو هي قضبان فضة أذهب شطرها وأحرق شطر ، أو حيات رمل اعتنق السود منها والصّفر . فلما توسّطوا تلك الروضة ، وانتشروا على أكناف تلك الغيضة ، وثبتت للرمي أقدامهم ، وشخصت إلى الطير أبصارهم ، وتّروها بكلّ وتر فوق سهمه منه ، ومفارق للسّهم وخارج عنه ، مضاعف عليها من وترين ، كأنه برد ذو جسدين ، أو عناق ضمّ ضجيعين ، في وسطه عين كشريحة كيس مختوم ، أو سرّة بطن خميص مهضوم ، محوّلة عن المحاذاة ، مزورّة عن الموازاة ، كأنها متخازر ينظر شزرا ، أو مصغ يسّمّع رزّا ، تروع قلوب الطير بالإنباض ، وتصيب منهم مواقع الأعراض . فلم يزل القوم يرمون ويصيبون ، وينجحون ولا يخيبون ، حتى خلت من البندق خرائطهم ، وامتلأت بالصيد حقائبهم . فكم من أفرخ زغب أيتموها فضاعت ، ومن آباء لها وأمّهات استجابوها فأطاعت ، قد انقادت نوافرها صعرا ، واقتسرت أوايبها قسرا ، وكسرت أجنحتها وجآجيها ، واستطارت في الجوّ قوادمها وخوافيها ، فأصبحت بين عاثر لا ينهض من عثاره ، ومهيض لا يطمع في انجباره ، يداوى جريحها بالإجهاز ، ويتلافى عقيرها بالتذكية والإنجاز ، تعاجل قبل فناء ذمائها ، ويصير ريشها كالمجاسد من